ابن ميثم البحراني

26

شرح نهج البلاغة

واعلم أنّ هذا الفصل يشمل على اقتصاص صورة حاله بعد وفاة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم في أمر الخلافة وهو اقتصاص في معرض التظلَّم والشكاية ممّن يرى أنّه أحقّ منه بالأمر . فأشار إلى أنّه فكَّر في أمر المقامة والدفاع عن هذا الحقّ الَّذي يراه أولى فرأى أنّه لا ناصر له إلَّا أهل بيته وهم قليلون بالنسبة إلى من لا يعينه ومن يعين عليه . فإنّه لم يكن له معين يغلب على الظنّ إلَّا بني هاشم كالعبّاس وبنيه وأبي سفيا بن الحرث بن عبد المطلب ومن يخصّهم ، وضعفهم وقلَّتهم عن مقاومة جمهور الصحابة ظاهر ، فضنّ بهم على الموت لعلمه أنّهم لو قاوم بهم لقتلوا ثمّ لا يحصل على مقصوده ، ولمّا ضنّ بهم عن الموت لزمه ما ذكر من الأمور وهى الإغضاء على القذى ، وكنّى بالإغضاء على القذى عن صبره عن المقاومة كناية بالمستعار ، ووجه المشابهة بينهما استلزامهما للألم البالغ ، وبالقذى عمّا يعتقده ظلما في حقّه ، وكذلك قوله : وشربت على الشجى . ملاحظة لوجه الشبه بين ما يجرى له من الأمور الَّتي توجب له الغضب والغبن وبين الماء الَّذي يشرب على الشجى وهو استلزامهما الأذى وعدم التلذّذ والإساغة . ولذلك استعار له لفظة الشرب ، وكذلك قوله : وصبرت على أخذ الكظم وعلى أمرّ من طعم العلقم . فيه استعارات حسنة للفظ أخذ الكظم كنّى بها عن أخذ الوجوه عليه وتضييق الأمر فيما يطلبه ، ولفظ المرارة الَّتي هي حقيقة في الكيفيّة المخصوصة للأجسام لما يجده من التألَّم بسبب فوت مطلوبه ، ووجه المشابهة في هاتين الاستعارتين لزوم الأذى أيضا ، وأمّا أنّ الَّذي وجده أمرّ من العلقم فظاهر إذ لا نسبة للألم البدنيّ في الشدّة إلى الألم النفسانيّ . وأعلم أنّه قد اختلف الناقلون لكيفيّة حاله بعد وفاة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم فروى المحدّثون من الشيعة وغيرهم أخبارا كثيرة ربما خالف بعضها بعضا بحسب اختلاف الأهواء : منها وهو الَّذي عليه جمهور الشيعة أنّ عليّا عليه السّلام امتنع من البيعة لأبى بكر بعد وفاة الرسول صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم وامتنع معه جماعة بني هاشم كالزبير وأبى سفيان بن الحرث والعبّاس وبنيه وغيرهم وقالوا : لا نبايع إلَّا عليّا عليه السّلام وأنّ الزبير شهر سيفه فجاء عمر في جماعة من الأنصار فأخذ سيفه فضرب به الحجر فكسره وحملت جماعتهم إلى أبى بكر فبايعوه وبايع معهم علىّ إكراها ، وقيل : إنّ عليّا عليه السّلام اعتصم ببيت فاطمة عليها السّلام وعلموا أنّه مفرد فتركوه ، وروى نضر بن مزاحم في كتاب صفّين أنّه كان